الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

135

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والقسم الثاني : هو القسم الجاد الإرادي الذي قرره المرء بوعي منه ، هذا النوع من القسم هو الذي يعاقب عليه الله إذا لم يف به الإنسان : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان . كلمة " العقد " تعني في الأصل - كما قلنا في بداية سورة المائدة - جمع أطراف الشئ جمعا محكما . ومنه تسمية ربط طرفي الحبل ب‍ " العقدة " ثم انتقل هذا المعنى إلى الأمور المعنوية ، فأطلق على كل اتفاق وعهد اسم العقد ، فعقد الأيمان - كما في الآية - يعني التعهد بكل جد وعزم وتصميم على أمر ما بموجب القسم . بديهي أن الجد وحده في القسم لا يكفي لصحته ، بل لابد أيضا من صحة محتواه - كما قلنا - وأن يكون أمرا مباحا في الأقل ، كما لابد من القول بأن القسم بغير اسم الله لا قيمة له . وعليه إذا أقسم امرؤ بالله أن يعمل عملا محمودا ، أو مباحا على الأقل ، فيجب عليه أن يعمل بقسمه ، فإن لم يفعل ، فعليه كفارة التخلف . وكفارة القسم هي ما ورد في ذيل الآية المذكورة ، وهي واحدة من ثلاثة : الأولى : فكفارته إطعام عشرة مساكين ، ولكيلا يؤخذ هذا الحكم على إطلاقه بحيث يصار إلى أي نوع من الطعام الدنئ والقليل ، فقد جاء بيان نوع الطعام بما لا يقل عن أوسط الطعام الذي يعطى لأفراد العائلة عادة : من أوسط ما تطعمون أهليكم . ظاهر الآية يدل على النوعية المتوسطة ، ولكن يحتمل أنه إشارة إلى الكمية والكيفية كليهما ، فقد جاء عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه الحد الوسط من الكيفية ، وعن الإمام الباقر ( عليه السلام ) أنه الحد الوسط من الكمية ، الأمر الذي يدل على أن المطلوب هو الحد الوسط من كليهما ( 1 ) .

--> 1 - " نور الثقلين " ، ج 1 ، ص 666 وتفسير " البرهان " ، ج 1 ، ص 496 .